أشهر الكسوفات الكلية للشمس عبر التاريخ

Famous Total Solar Eclipses Throughout History

صورة الكاتب — الشيماء أمين خوجةبقلم: الشيماء أمين خوجة

وحدة البحث في الوساطة العلمية - CERIST

جدول لأهم الكسوفات التاريخية و بعد الأحداث المرتبطة بها

Table of Major Historical Eclipses and Related Events

صورة الكاتب — مراد حمدوشبقلم: مراد حمدوش

وحدة البحث في الوساطة العلمية - CERIST

تخيل أنك تستمتع بنزهة صباحا تحت سماء زرقاء وشمس ساطعة حتى يحل الظلام. فجأة يتحول النهار إلى شبه ظلام في غضون دقائق. مشهد مرعب أليس كذلك! و هذا ما يحدث بالضبط خلال الكسوف الكلي للشمس عندما تصطف الشمس والقمر والأرض على خط واحد تقريبًا، يغطي القمر الشمس بالكامل بالنسبة للراصد الموجود داخل مسار الكسوف الكلي. أما اليوم، وبفضل تطور العلوم نعلم تماما ماهي وكيف تحدث هذه الظاهرة و نستطيع التنبؤ بها قبل قرون. لكن قديما في حضارات سابقا لم يكن الأمر كذلك فكل حضارة فسرت الظاهرة وفق ثقافتها ومعتقداتها. اشتركت معظم الحضارات في شعور واحد وهو الهول و الرهبة عند رؤية هذه الظواهر. ونستعرض في هذا المقال أهم الكسوفات التي التي مرت عبر التاريخ وصولًا إلى دورها في تحقيق بعض أعظم الاكتشافات العلمية، وكيف تحوّلت من ظاهرة تثير الذعر إلى أداة لفهم الكون.

كسوف جزئي للشمس كما شوهد من مدينة نوك في غرينلاند

كسوف جزئي للشمس كما شوهد من مدينة نوك (Nuuk) في غرينلاند، في 29 مارس 2025. (حقوق الصورة: ليون نيل / Getty Images)

تسجيل الكسوفات الأولى عبر التاريخ

بالرغم من وجود الكثير من المصادر التي تشير إلى أن أقدم تصوير معروف لكسوف شمسي قد يكون النقوش الصخرية التي تم العثور عليها في موقع Loughcrew Cairns في أيرلندا، والتي يعود تاريخها إلى حوالي 3340 قبل الميلاد والتي تمثل صورا لكسوف شمسي حدث في المنطقة 30 نوفمبر 3340 قبل الميلاد إلا أن الكثير من الباحثين لم يأخذوه كدليل قاطع فقد فقد عُثر على هذه النقوش بالقرب من بقايا بشرية متفحمة، مما دفع بعض علماء الآثار إلى الاعتقاد بأنها كانت مرتبطة بطقوس دينية تتعلق بالشمس ولا علاقة لها مع الكسوف الشمسي. لذلك يعتمد بعض المؤرخين على السجلات المكتوبة مثل الصين وبلاد الرافدين خلال الألفية الثانية قبل الميلاد.

نقش صخري في موقع لوكرو

نقش صخري في موقع لوكرو (Loughcrew Cairn L) يُعتقد أنه أقدم تسجيل لكسوف شمسي

1- الصين

تُعد الحضارة الصينية من أقدم الحضارات التي دوّنت الظواهر الفلكية بصورة منتظمة . ويُعتقد أن أقدم سجل صيني لكسوف شمسي يعود إلى نحو عام 2134 أو 2137 قبل الميلاد ، حيث تصف إحدى الروايات القديمة ل شو تشينغ (Shu Ching) الحدث بالعبارة لم يكن القمر والشمس على انسجام في ذلك اليوم“ “The Sun and Moon did not meet harmoniously.” وكان في اعتقادهم أن تنينا يهاجم الشمس لذلك كانوا يقرعون الطبول، ويضربون الأجراس، ويطلقون السهام، لإبعاد التنين وبما أن الكسوف لم يستمر سوى أقل من دقيقة كانوا يعتقدون أن طقوسهم نجحت بالفعل في إعادة الشمس إلى السماء. ومن أشهر الروايات المرتبطة بهذا الكسوف قصة الفلكيين هسي (Hsi) وهو (Ho) اللذان فشلا في التنبؤ بالكسوف فتم إعدامهما. رغم شهرة هذه القصة يعتبرها المؤرخون أقرب إلى الأسطورة منها الى الحقيقة.

ظهرت لاحقًا محاولات للتنبؤ بالكسوف ومن أشهرها ما يُعرف بـ كسوف طاليس.

2- كسوف طاليس

وُلِد طاليس الملطي نحو عام 620 قبل الميلاد، وكان فيلسوفًا وعالم رياضيات يونانيًا. ويُعد من أوائل من انشغلوا بالرياضيات والعلوم والاستدلال العقلي المنهجي. وقد اعتبره أرسطو سلفًا فكريًا له.

صورة مركبة لتمثيلات الفيلسوف طاليس

صورة مركبة لتمثيلات الفيلسوف طاليس، من أعمال فيلهلم ماير (1875)، وجان كوفاي نقلًا عن كلود فينيون (حوالي 1639–1640).

حسب المؤرخ الإغريقي هيرودوت، كان طالس أول من يتنبأ بحدوث كسوف في التاريخ والذي وقع في 28 ماي سنة 585 قبل الميلاد ولذلك عرف بعدها بكسوف طالس. ومن الحكايات التي ذكرها المؤرخ هيرودوت حول هذا الكسوف يذكر اندلاع حرب بين مملكة ميديا التي كانت تقع في أجزاء من إيران الحالية و مملكة ليديا الواقعة في غرب الأناضول (تركيا حاليًا) و استمرت لمدة خمس سنوات وفي العام السادس و في احدى المعارك الشديدة تحول النهار فجأة الى ليل بسبب الكسوف الشمسي فاعتبرت كل من المملكتين هذه الظاهرة نذرا الاهيا فتوقفت الحرب، وأُعلن الصلح بين المملكتين وقد كان هذا الكسوف الذي تنبأ به طالس.

3- كسوف الشمس يوم وفاة إبراهيم ابن الرسول ﷺ 632 ميلادي

لم يكن كسوف طالس الحدث الوحيد الذي ربطه الناس بإشارات ربانية فحتى عام وفاة ابراهيم ابن الرسول عليه الصلاة والسلام، ظن الناس أن الشمس انكسفت حزنا عليه ولهذا جاء الرد النبوي حاسماً يفصل بين الظواهر الطبيعية والخرافات، فقال ﷺ: "إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ". ويُعد هذا الموقف من أوائل المواقف في التاريخ التي صحح فيها الإسلام الاعتقاد الذي يربط الكسوف والخسوف بموت الأشخاص أو حياتهم إنما ظاهرتان كونيتان تدل على عظمة الله عز وجل تدعونا للتأمل و الخشوع.

4- كسوف إدينغتون (1919): أول دليل رصدي يدعم نظرية النسبية العامة

مخطط يوضح انحراف ضوء النجوم قرب الشمس في تجربة إدينغتون

لأكثر من مائتي عام، كان فهم العلماء للجاذبية يعتمد على نظرية إسحاق نيوتن، الذي وصف الجاذبية كقوة تجذب الأجسام بعضها إلى بعض. وحسب هذا التصور، تدور الكواكب حول الشمس نتيجة لقوة الجذب التي تمارسها الشمس عليها. لكن بعد تقديم ألبرت أينشتاين لنظرية النسبية العامة عام م1915 ،تغير مفهوم الجاذبية بالكامل. فبدلًا من اعتبارها قوة تؤثر بين الأجسام، بينت النظرية أن الكتلة والطاقة تُحدثان انحناءً في نسيج الزمكان، وأن الأجسام تتحرك على المسارات التي يفرضها هذا الانحناء.

ولتقريب الفكرة، يُشبَّه الزمكان أحيانًا بقطعة قماش مطاطية؛ فإذا وُضع عليها جسم ثقيل، يحدث تقعر حوله . وبالمثل، تُحدث الشمس، كتلتها الهائلة، انحناءً في الزمكان، فتتحرك الكواكب حولها وفق هذا الانحناء، كما ينحرف أيضًا مسار الضوء القادم من النجوم البعيدة عندما يمر بالقرب منها.

فلو قارنا موقع نجم في السماء ليلًا بموقعه عندما يمر ضوؤه بالقرب من الشمس، لوجدنا أن موقعه الظاهري يتغير قليلًا بسبب انحناء الضوء، وهو أحد أهم تنبؤات نظرية النسبية العامة. لكن لا يمكن رؤية النجوم القريبة من الشمس نهارًا بسبب شدة ضوء الشمس. ولهذا كان الكسوف الكلي للشمس فرصة مثالية لإجراء هذا الاختبار، لأن اختفاء قرص الشمس يسمح برؤية النجوم المحيطة به. لهذا في 29 ماي 1919، استغل الفلكيان البريطانيان آرثر إدينغتون وفرانك دايسون حدوث كسوف كلي للشمس لتنفيذ هذه التجربة.انقسمت البعثة إلى فريقين ، فريق اتجه نحو برينسيبي قبالة الساحل الغربي لإفريقيا وفريق الى سوبرال في البرازيل وأجريا قياسات دقيقة لمضع حشد نجمي معروف باسم القلائص Hyades عنقود نجمي مفتوح يقع في كوكبة الثور. من الموقعين ثم قام ادينجتون بمقارنة القياسات التي قام بأخذها خلال الليل و خلال الكسوف الشمسي ليجد أن أنها قريبة جدا لما جاء به اينشتاين لم تتطابق تماما لكن كافية لإثبات أن نظريته كانت صحيحة.

وتكررت التجربة خلال كسوفات شمسية كلية لاحقة، منها كسوف عام 1922 في أستراليا، وكسوف عام 1936 في الاتحاد السوفياتي، وكسوف عام 1952 في السودان. ومع تطور الأجهزة وتحسن دقة القياسات، أصبحت النتائج أكثر توافقًا مع تنبؤات النسبية العامة.

جدول لأهم الكسوفات التاريخية و بعد الأحداث المرتبطة بها

ولم تكن الجزائر بمنأى عن هذه الظاهرة، فقد شهدت عبر تاريخها عددًا من الكسوفات الكلية والحلقية التي رُصدت من مدن مختلفة، وكان بعضها من أبرز الظواهر الفلكية التي تابعها سكان البلاد. ويعرض الجدول التالي أهم الكسوفات التي شوهدت من قسنطينة والجزائر العاصمة.

جدول تاريخ الكسوفات المهمة عالميًا وفي الجزائر

التاريخ الحدث
15 جوان 763 ق.م الكسوف الآشوري الذي أصبح مرجعًا لتأريخ الشرق الأدنى القديم
28 ماي 585 ق.م كسوف طاليس الذي أوقف الحرب بين الميديين والليديين
30 أوت 431 ق.م الحرب البيلوبونيسية
21 مارس 424 ق.م العام الثامن للحرب البيلوبونيسية
24 نوفمبر 569 م كسوف سبق ميلاد النبي ﷺ
27 جانفي 632 م (10 هـ) كسوف الشمس المتزامن مع وفاة إبراهيم ابن النبي ﷺ، وتصحيح النبي ﷺ للاعتقاد بأن الكسوف لا يقع لموت أحد ولا لحياته
22 ديسمبر 698 م أول رصد موثق للإكليل الشمسي
993–1004 م أرصاد ابن يونس الدقيقة للكسوف والخسوف
03 أكتوبر 1614 م كسوف كلي للشمس شوهد من الجزائر العاصمة
1706 م أول رصد تلسكوبي معروف لكسوف كلي
03 ماي 1715 م تنبؤ إدموند هالي الدقيق بالكسوف
26 أكتوبر 1753 م كسوف كلي للشمس شوهد من الجزائر العاصمة
05 أوت 1766 م كسوف كوك
16 جوان 1806 م سُمي بهذا الاسم نسبةً إلى زعيم قبيلة الشاوني "تيكومسيه" وشقيقه "تنسكواتاوا"، حيث استخدما هذا الحدث الفلكي علامةً دينية لإثبات قوتهما وتوحيد القبائل الأصلية في أمريكا
28 جويلية 1851 م أول تصوير فوتوغرافي لكسوف كلي
18 جويلية 1860 م كسوف كلي للشمس شوهد من قسنطينة والجزائر العاصمة
18 أوت 1868 م اكتشاف الهيليوم عبر الرصد الطيفي أثناء الكسوف
22 ديسمبر 1870 م كسوف كلي للشمس شوهد من قسنطينة ومعظم المناطق الشمالية للجزائر
28 ماي 1900 م آخر كسوف كلي للشمس شوهد من الجزائر العاصمة
30 أوت 1905 م آخر كسوف كلي للشمس شوهد من قسنطينة
29 ماي 1919 م كسوف إدينغتون الذي أكد تنبؤات النسبية العامة
03 أكتوبر 2005 م كسوف حلقي للشمس شوهد من الجزائر العاصمة وبعض المدن الجزائرية
02 أوت 2027 م الكسوف الكلي للشمس المنتظر، يُشاهد من معظم مناطق شمال الجزائر

جدول لأهم الكسوفات الكلية التاريخية التي حدثت بقسنطينة والجزائر العاصمة

التاريخ الكسوف الكلي
03 أكتوبر 1614 م كسوف كلي للشمس شوهد من الجزائر العاصمة
26 أكتوبر 1753 م كسوف كلي للشمس شوهد من الجزائر العاصمة
18 جويلية 1860 م كسوف كلي للشمس شوهد من قسنطينة والجزائر العاصمة
22 ديسمبر 1870 م كسوف كلي للشمس شوهد من قسنطينة ومعظم المناطق الشمالية للجزائر
28 ماي 1900 م آخر كسوف كلي للشمس شوهد من الجزائر العاصمة
30 أوت 1905 م آخر كسوف كلي للشمس شوهد من قسنطينة
03 أكتوبر 2005 م كسوف حلقي للشمس شوهد من الجزائر العاصمة وبعض المدن الجزائرية
02 أوت 2027 م الكسوف الكلي للشمس المنتظر ويُشاهد من معظم مناطق شمال الجزائر

التطلع نحو عام 2026

تبقى الكسوفات الكلية للشمس من أكثر الظواهر الكونية روعة، ينتظرها الملايين بشغف، ويقطع من أجلها العلماء والمصورين والهواة آلاف الكيلومترات لمشاهدة لحظات لا تتكرر إلا نادرًا. ومع اقتراب الكسوف الكلي للشمس في 2 أوت 2027، الذي يُنتظر أن يكون من أطول الكسوفات الكلية في القرن الحادي والعشرين، يتجدد الموعد مع ظاهرة تذكرنا بأن السماء لا تزال تخبئ لنا مشاهد قادرة على إلهام الإنسانية جيلاً بعد جيل.